أحمد بن محمود السيواسي
97
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
لقضاء العمرة في أشهر الحج فكره أصحاب رسول اللّه القتال مع المشركين في الشهر الحرام لإمكان نقض العهد منهم « 1 » ، فأطلق عليهم القتال فيه بقوله تعالى « قاتِلُوا » ، أي جاهدوا لإعزاز الدين ( فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) أي في طاعته ( الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ ) في الشهر الحرام ( وَلا تَعْتَدُوا ) أي لا تنقضوا العهد ببدء القتال في الشهر الحرام أو بقتال من نهيتم عن قتاله من النساء والشيوخ والصبيان والمعاهدين ( إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ) [ 190 ] أي لا يرضي فعل المتجاوزين من الحلال إلى الحرام وهو الابتداء بالظلم . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 191 إلى 192 ] وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ ( 191 ) فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 192 ) ( وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ) أي حيث وجدتموهم في الحل والحرم والشهر الحرام ان نقضوا عهدكم ( وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ ) أي من مكة ، لأنهم أخرجوا المسلمين أولا منها ، وأخرج النبي عليه السّلام ثانيا منها من لم يؤمن به منهم يوم الفتح ، وكان المشركون يستعظمون القتال في الحرم ويعيرون به المسلمين فنزل قوله « 2 » ( وَالْفِتْنَةُ ) أي الشرك باللّه ( أَشَدُّ ) أي أعظم عند اللّه ( مِنَ الْقَتْلِ ) الذي يحل بهم منكم في الحرم ، وقيل : الفتنة عذاب الآخرة « 3 » ( وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ) أي في الحرم ( حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ ) أي حتى يبدؤكم بالقتال ( فَإِنْ قاتَلُوكُمْ ) أي فان بدؤوكم بالقتال ( فَاقْتُلُوهُمْ ) أي فلا تبالوا بقتالهم ، قرئ في الثلاثة بألف وبغير ألف « 4 » ( كَذلِكَ ) أي مثل ذلك الجزاء ( جَزاءُ الْكافِرِينَ ) [ 191 ] أي قتلهم في الحرم وغيره ( فَإِنِ انْتَهَوْا ) أي عن الشرك والقتال ( فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ ) لمن تاب عن الذنوب ( رَحِيمٌ ) [ 192 ] لمن أطاعه من عباده . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 193 ] وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ ( 193 ) ( وَقاتِلُوهُمْ ) أي المشركين ( حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ) أي شرك و « كان » تامة ، و « حتى » بمعنى إلى أن أو كي ( وَيَكُونَ الدِّينُ ) أي الإسلام والعبادة ( لِلَّهِ ) وحده ولا يعبد غيره فلا يقبل من مشركي العرب إلا الإسلام أو القتل ( فَإِنِ انْتَهَوْا ) عن الشرك وقتالكم ( فَلا عُدْوانَ ) أي لا ظلم ، يعني لا تظلموا ( إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ ) [ 193 ] أي إلا الذين لا ينتهون عن الظلم ، وسمي جزاء الظالمين ظلما للمشاكلة . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 194 ] الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ( 194 ) قوله ( الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ ) أي الشهر المحرم يقابل بالشهر المحرم في هتك الحرمة ، نزل حين ذهب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه عام الحديبية إلى مكة للعمرة فصدهم المشركون عن البيت في ذي القعدة سنة ست ، ثم رجع في العام الثاني مع أصحابه ، فدخلوا مكة ، فطافوا البيت ونحروا الهدى وأقاموا فيها ثلاثة أيام في ذي القعدة أيضا سنة سبع « 5 » ، فقال تعالى إذا قاتلوكم في الشهر الحرام بهتك حرمته فافعلوا بهم بهتك حرمة شهركم كما فعلوا بكم بهتك حرمته عليكم ، ولا تبالوا من كراهة القتال فيه ، لأن جزاء فعلهم فيكون هذا الشهر مقابلا بذلك الشهر ( وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ ) مصدر بمعنى المساواة ، أي كل حرمة يجري فيها
--> ( 1 ) نقله المفسر عن السمرقندي ، 1 / 188 - 189 ؛ وانظر أيضا الواحدي ، 45 - 46 . ( 2 ) أخذه عن البغوي ، 1 / 235 . ( 3 ) أخذ المفسر هذا القول عن الكشاف ، 1 / 115 . ( 4 ) « ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فان قاتلوكم » : قرأ الأخوان وخلف بفتح تاء الأول وياء الثاني وإسكان القاف فيهما ، وضم التاء بعدها ، وحذف الألف من الكلمات الثلاث ، والباقون باثبات الألف فيها مع ضم تاء الأول وياء الثاني وفتح القاف فيهما مع كسر تاءيهما ولا خلاف في حذف الألف في « فاقتلوهم » . البدور الزاهرة ، 47 . ( 5 ) نقله عن البغوي ، 1 / 237 ؛ وانظر أيضا الواحدي ، 46 ( عن قتادة ) .